صموئيل العشاي يكتب : الحقيقة الصادمة كان لازم يموت ضياء العوضي!

فاجعة رحيل الدكتور ضياء العوضي جعلتني، كمواطن مصري يحب هذا الوطن وشعبه الطيب، أدرك حجم الاستهداف الذي يطال عقول أبنائه؛ فلا أملك إلا أن أضم صوتي لملايين المكلومين، متسائلاً بمرارة: لماذا يغيب عنا المبدعون؟ ولماذا يتكرر سيناريو “إسكات” علماء مصر عبر التاريخ؟

أهو قدرٌ أسود قد كُتب علينا؟ إما أن تنهش أجسادنا أيادي المتطرفين، أو نقع فريسةً لـ “لصوص الدواء” الذين يقتاتون على آلامنا. هؤلاء الذين توارثوا فنَّ سرقة العقول؛ فكما نهبوا برديات أجدادنا الفراعنة العظام، وسرقوا منها أسرار الشفاء ليتاجروا بها في أسواق العالم بمليارات الدولارات، عادوا اليوم ليحاصروا حفيده الذي تجرأ على استرداد هذا الحق الأصيل.

لقد خرج ضياء العوضي ليقدم للعالم نظاماً غذائياً، فلسفةً تعيد للجسم قدرته على الاستشفاء الذاتي عبر استبعاد أطعمةٍ مسببةٍ للالتهاب -كالقمح الأبيض، والخميرة، والبيض، والبقوليات- التي فرضتها علينا أنماط الاستهلاك الحديثة. لم يكن الرجل يبيع وهماً، بل كان يقدم “استقلالية”، مانحاً الملايين بارقة أملٍ للشفاء من أمراضٍ مزمنة، ومغنياً إياهم عن سلسلةٍ لا تنتهي من الأدوية والكشوفات الطبية والمتابعات التي لا تنتهي.

كان طبيباً من طرازٍ فريد، يملك “قلباً” يسمع أنين المرضى لا “آلة” تفحصهم، فصار صوتاً للمستضعفين، وجرأةً تحطم صمت المؤسسات الطبية الكبرى. وبتلك الصراحة المطلقة في نقد “بزنس المرض”، لم يكن العوضي يواجه طعاماً، بل كان يواجه إمبراطورياتٍ ماليةً لا تغفر لمن يهدد أرباحها.

نعم، شُفي على يديه مئاتٌ من أصحاب الأمراض الخطيرة، وتحسنت حالة الألوف العديدة بعد اتباع أنظمته الغذائية، وصار أتباعه بالملايين، وزاد الطلب عليه، وتوقفت عمليات بيع الدواء لهؤلاء.

هل تعلم يا صديقي القارئ أن مصر من أكثر الدول في العالم في استهلاك الدواء؟ والطبيب المصري كريم في كتابة الدواء ولا يكتفي بصنف واحد، بل إنه يكتب أربعة وخمسة وستة أسماء لمرض واحد، وفي بريطانيا يكتبون علاجاً واحداً أو اثنين على الأكثر.

إذاً، شركات الدواء استهدفت الدكتور ضياء العوضي وأرادت التخلص منه، نعم، ولكن تصاعد الخط الدرامي وجرأته وحاول كشف العديد من الحقائق التي تهدد عروش الشركات العملاقة؛ فأصبح رحيله “مطلوباً”.

واتُّخذ قرار بإعدام العوضي معنوياً وفصله من كل مكان، وتصاعد الأمر حتى غُيِّب في أبريل 2026، إذ توقف قلبه فجأة في أحد فنادق دبي، وخرجت الرواية الرسمية سريعةً ومقتضبة: “وفاة طبيعية وجلطة في القلب”. لكن أي قلبٍ هذا الذي يسكت فجأة؟ وأي “طبيعة” في رحيلٍ جاء في ذروة عطائه، وقبيل إعلانٍ مرتقبٍ عن نتائج أبحاثٍ كانت ستزلزل أركان صناعة الدواء العالمية؟

عُثر عليه وحيداً بعد 48 ساعة من الصمت غير المعتاد لرجلٍ اعتاد علي النشاط الرقمي. إن هذا الصمت ليس “وفاة”، بل هو “إغلاقٌ لملفٍ” كان يزعج الكثيرين. إن الأسئلة التي تعصف بقلوبنا ليست مجرد شكوك، بل هي قراءةٌ واعية لسيناريو “تصفية” مُحكم، نُفذ بدمٍ بارد ضد عقلٍ مصريٍ أبيّ.

قضية الدكتور ضياء العوضي تذكرنا بالصراع الأبدي بين الابتكار الحر وبين المؤسسات التقليدية التي تُعدم كل من يخرج عن المألوف. لقد رحل ضياء، لكنه ترك خلفه ملايين المصدومين الذين يدركون اليوم أن “المؤامرة” لم تعد فرضية، بل أصبحت حقيقةً موثقةً في صفحات التاريخ التي دُوّن فيها رحيل علمائنا.

نحن اليوم مطالبون -أكثر من أي وقت مضى- بأن نرفض الروايات الجاهزة التي تُلقى إلينا كفتاتِ حقائق، لنصدقها ونمضي في حياتنا وكأن شيئاً لم يكن. إن صمتنا اليوم ليس إلا موافقةً ضمنية على اغتيال الفكر، وتخلياً عن أمانةٍ وضعها بين أيدينا رجلٌ لم يطلب منا سوى أن نستعيد عافيتنا.

يا دكتور ضياء، لقد رحلتَ بالجسد، لكنك ستظل حياً في أجساد من شفاهم الله على يديك، وسيحفظ التاريخ اسمك كشاهد عيانٍ على صراعٍ لم ينتهِ بوفاتك بل بدأ للتو في قلوب كل من عرفوا قيمتك ما. ستظلُّ ذكراك تلاحقهم، ستظلُّ كلمتك التي أزعجت عروشهم تتردد في أصداء الشوارع التي مشيت فيها، وفي أنين المرضى الذين كانوا ينتظرون منك دواءً شافياً، لا سماً مدسوساً في ثوبِ “وفاة طبيعية”.

أكثر ما يدمي القلب، هو تلك الغرفة الفندقية في دبي؛ تلك الغرفة التي شهدت صمتك الأخير، والتي لم يسمع فيها أحدٌ صدى أنفاسك وهي تخبو وحيداً، بعيداً عن دفء وطنك وأهلك ومرضاك الذين كانوا يحيطون بك كأبٍ روحي.

لقد تركناك تقاتل وحدك، وتركناك تموت وحدك، ليحتفل “لصوص الدواء” بانتصارهم المهين على رجلٍ أعزل إلا من عقله وصدقه.

وسألكم جميعا هل سنظل شهود زورٍ على رحيل من نذروا حياتهم لخدمة الوطن؟ أم سنمضي في البحث عن الحقيقة التي أرادوا لها أن تُدفن معك تحت غطاءٍ ثقيل من التعتيم؟

وداعاً يا ضياء.. وداعاً يا طبيب القلوب المكسورة. لقد انطفأ السراج، وغابت البسمة التي كانت تبشر بالشفاء، ليبقى الوطنُ أقلَّ بريقاً، وأكثرَ حزناً، وأشدَّ احتياجاً لرجالٍ مثلك.. رجالٍ يُقتلون لأنهم ببساطةٍ شديدة، كانوا يقولون الحقيقة في زمنٍ اختارت فيه الأغلبية أن تبيع ضمائرها لأجلِ حفنةٍ من الأرباح.

نحن لا نودعك، بل نودع جزءاً من أحلامنا التي رحلت معك.. في أمان الله، حيث لا ظُلم ولا مؤامرات، وحيث الحقيقة التي طالما بحثت عنها، ستكون هي ملاذك الأخير.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى