صموئيل العشاى يكتب: هناك تطابق شديد بين نظام الطيبات والصوم الكنسي

اليوم، ومع رحيل الدكتور ضياء العوضي، وبعد وفاته في ظروف غامضة، بدأت التفكير في نظامه المعروف بالطيبات الذي تبناه، وبين نظام الصوم الكنسي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث بدا أن هناك توافق كبير في المبادئ، إلى درجة تدفع للتساؤل: هل نحن أمام تشابه، أم أمام منظومة واحدة تعكس حكمة تتجاوز الفواصل الدينية والطبية؟

أرى أن هذا التشابه ليس صدفة، بل هو انعكاس لحكمة الخالق في تنظيم العلاقة بين الجسد البشري والمنهج الروحي، حيث يتكامل الغذاء مع العبادة، وتتماس الصحة مع الإيمان. فالجسد البشري لا يستعيد عافيته الحقيقية إلا حين يعود إلى ما خلق عليه من بساطة ونقاء، بعيدًا عن تعقيدات التصنيع الغذائي، وهو ما يتجلى رمزيًا في غذاء الإنسان الأول، آدم في الجنة، الذي كان يعتمد على الأطعمة في شكلها الطبيعي.

يرتكز نظام الطيبات كما طرحه الدكتور العوضي، وكذلك الصوم الكنسي، على مبدأ مشترك يقوم على انتقاء الأطعمة ذات الكثافة الغذائية العالية، الخالية من المعالجات الكثيرة. وتفهم الطيبات بوصفها الأغذية الأقرب للأطعمة النباتية الكاملة التي تغذي الخلايا دون إرهاق للكبد أو البنكرياس، وتدعم الطاقة الحيوية للجسم بشكل متوازن. وفي المقابل، يمثل الصوم الكنسي نظامًا غذائيًا يعيد تنظيم بيولوجي لأنماط الأكل.

وكلا النظامين ينظران إلى منتجات اللحوم والألبان والبيض والدواجن بوصفها عناصر غذائية ثقيلة، تتطلب مجهودًا هضميًا كبيرًا، وتؤدي إلى زيادة العبء الأيضي على الجسم. ومن هنا يدعو النظامان إلى استبدال هذه العناصر ببدائل نباتية طبيعية أكثر خفة وكفاءة في الامتصاص.

ويذهب نظام الطيبات إلى درجة المرونة في بعض الحالات، حيث يسمح بتناول محدود لبعض أنواع الطيور أو اللحوم، بينما يتخذ الصوم الكنسي موقفًا أكثر صرامة، يقوم على الامتناع الكامل خلال فترات الصوم المحددة، بينما تسمح بالقليل منها في فترات الإفطار، وهو ما يعكس تشابه كبير.

ويمتد التشابه بين النظامين إلى البعد الزمني، حيث يقومان على فكرة “الصيام الممتد” أو الانقطاع عن الطعام لساعات طويلة. ففي بعض الممارسات الكنسية يمتد الامتناع عن الطعام من منتصف الليل حتى ساعات متأخرة من النهار، وقد يصل في حالات الزهد والرهبنة إلى 24 أو حتى 36 ساعة. وهو ما يتقاطع مع ما يُعرف اليوم علميًا بـ “الصيام المتقطع”، والذي يُوصى به في بعض الاتجاهات الحديثة لتحفيز عمليات الاستشفاء الذاتي داخل الجسم. وهو ما ينصح به الدكتور العوضي متابعيه بالقيام به.

ويطرح النظامان فكرة “الالتهام الذاتي”، وهي العملية التي يبدأ فيها الجسم في التخلص من الخلايا التالفة وإعادة تدوير مكوناته الداخلية، مما يُسهم في تحسين المناعة وتعزيز التركيز الذهني، ويمنح هذا النمط من الانضباط الغذائي الجسم بالقيام بإعادة الضبط البيولوجي.

ما يجمع بين المنهجين ليس فقط الامتناع عن الطعام، بل فكرة إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وجسده. فالصوم في الكنيسة القبطية ليس مجرد حرمان، بل ممارسة تهدف إلى إخضاع الجسد للروح، وتحرير الذهن من ثقل المادة، بينما يقدم نظام الطيبات تصورًا مشابهًا من زاوية صحية، يقوم على خفض الالتهابات المزمنة في الجسم، وتحسين كفاءة الجهاز الهضمي، واستعادة التوازن الهرموني عبر الغذاء النباتي.

ويظهر هنا تقاطع آخر مهم، يتمثل في تأثير تقليل البروتين الحيواني في كلا النظامين، حيث يُنظر إليه باعتباره عاملًا يساهم في استقرار كيمياء الدم، وتحسن الحالة المزاجية، وتقليل التقلبات العصبية المرتبطة بمستويات الأنسولين والطاقة اليومية. ومن هنا يُربط بين الغذاء وبين الصفاء النفسي، في رؤية تعتبر أن ما يدخل الجسد ينعكس مباشرة على العقل والروح.

أما على المستوى الفلسفي، فإن ما يُسمى بـ”العقلية الغذائية” في كلا النموذجين يكشف عن وحدة أعمق في التصور. فالدكتور العوضي يستند إلى مفهوم “الطيبات” في النص القرآني لتقديم رؤية صحية معاصرة، بينما تعتمد الكنيسة القبطية على النصوص الكتاب المقدس التي تنظّم الصوم وتحدد أوقاته ومحتواه الغذائي. وفي كلا السياقين، هناك وعي بأن الجسد ليس منفصلًا عن البعد الروحي، وأن الطعام ليس مجرد وقود، بل عنصر مؤثر في الحالة الوجودية للإنسان.

ومن اللافت أن هذا التقارب لا يقتصر على النوع الغذائي، بل يمتد إلى نمط الحياة ككل، حيث يُنظر إلى البساطة الغذائية كوسيلة لإعادة الإنسان إلى حالته الأولى، الأقرب إلى الفطرة. فكلما ابتعد الإنسان عن الطعام المعالج والمعقد، اقترب من حالة من التوازن الداخلي، حيث يصبح الجسد أكثر خفة، والعقل أكثر صفاء، والروح أكثر حضورًا.

وعند جمع هذه العناصر، يظهر ما يمكن وصفه بـ”الخيط الناظم” بين النظامين؛ خيط لا يقوم على التشابه الشكلي فقط، بل على فلسفة مشتركة ترى أن الصحة ليست حالة طارئة، بل نظام حياة متكامل، وأن الشفاء لا يأتي فقط من العلاج، بل من إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وطعامه.

إن هذا التقاطع بين نظام الطيبات والصوم الكنسي يفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في العلاقة بين العلم والدين، وبين الطب والروح، ويطرح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام فصلين مختلفين من قصة واحدة، عنوانها أن الجسد البشري لا يزدهر إلا حين يعود إلى بساطته الأولى؟

وفي النهاية، يمكن القول إن كلا النظامين – رغم اختلاف السياق الديني والفكري – يقدمان رؤية موحدة في جوهرها: أن الصحة ليست مجرد غياب للمرض، بل حالة من التوازن الفطري بين الجسد والعقل والروح، وأن الغذاء، في صورته البسيطة والطبيعية، قد يكون أحد أهم مفاتيح هذا التوازن، بل وربما أحد أشكال العبادة غير المباشرة التي تعيد الإنسان إلى جوهر وجوده الأول.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى