إبراهيم طه.. يكتب: فنزويلا في قبضة ترامب؟!

في حدث يزيح الستار عن فصل جديد من فصول الصراع الجيوسياسي، هزّت الضربات الأمريكية العاصمة الفنزويلية كاراكاس، لتُعلن نهاية دراماتيكية لرحلة الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من القصر الرئاسي إلى الاعتقال.
خطوة ترامب الجريئة ليست سوى ذروة جبل جليديٍ من المواجهة امتدّ لربع قرن، تاركاً وراءه سحابة من التساؤلات القانونية الدولية ومصيراً مجهولاً لأمة تمتلك أكبر كنز نفطي في العالم.
البدايات: من تحالف النفط إلى كراهية الإمبريالية
لم تكن العلاقات الأمريكية الفنزويلية دوماً على شفا الهاوية.. فطوال القرن العشرين، كانت واشنطن تعتمد على الذهب الأسود الفنزويلي.. لكن هذا التحالف انقلب إلى عداء صريح مع صعود هوغو تشافيز عام 1999 وحمله لواء “الثورة البوليفارية”.
هل كان حلم تشافيز بالاستقلال عن الهيمنة الأمريكية مجرد حلم رومانسي، أم أنه خطة واقعية اصطدمت بإرادة القوة العظمى؟
التساؤل يظل معلقاً، خاصة بعد اتهامات له بدعم واشنطن لمحاولة انقلاب 2002 ضده.
تصاعد الأزمة: عقوبات ومحاكمات ومكافآت
مع رحيل تشافيز وارتقاء مادورو سدة الحكم، دخلت الأزمة نفقاً مظلماً.. أزمات اقتصادية خانقة، وانتخابات مُطعن فيها، وتصعيد أمريكي بإعلان خوان غوايدو رئيساً مؤقتاً عام 2019، لكن المفاجأة كانت في 2020، عندما حوّلت وزارة العدل الأمريكية الرئيس الفنزويلي إلى “مطلوب” بتهم تتعلق بالمخدرات، وعرضت 15 مليون دولار مقابل رأسه.. كان السؤال: هل تبحث واشنطن عن عدالة، أم تبحث عن ذريعة؟
الذروة: ضربات جوية.. واعتقال في وضح النهار
فجر الثالث من يناير 2026، تحولت التهديدات إلى واقع مأساوي.. طائرات أمريكية تخترق السماء الفنزويلية، وقوات خاصة تنفذ عملية اعتقال تاريخية. أعلن ترامب أن العملية جزء من “حرب على الكارتيلات”، ووعد بإدارة مؤقتة للبلاد وبيع نفطها، مع تعويضات لأمريكا. المشهد أعاد للأذهان غزو بنما 1989، ليُطرح السؤال المحوري: أين تبدأ مكافحة الجريمة، وأين تنتهي سيادة الدولة؟
المستقبل المجهول: مقاومة وانقسام إقليمي وصدمات عالمية
اليوم، تدخل فنزويلا مرحلة قد تكون أكثر دموية. نائبة الرئيس دلسي رودريغيز تدعو للمقاومة، فيما يقف العالم منقسماً: كوبا وبوليفيا تتحدثان عن عودة “الإمبريالية”، بينما ترحب كولومبيا بتدخل قد يخفف أزمة اللاجئين. اقتصادياً، قد تشهد أسواق النفط هزة عنيفة، بينما تتربص روسيا والصين، حلفاء مادورو التقليديين، اللتان استثمرتا مليارات في أراضي فنزويلا. هل نرى حرباً بالوكالة في أمريكا اللاتينية؟
استفسارات قانونية تبحث عن إجابات: أين القانون الدولي؟
الحدث يضع النظام الدولي على محك الاختبار:
- هل يجوز لدولة، مهما بلغت قوتها، اعتقال رئيس دولة أخرى بناء على قوانينها المحلية؟
- أليست هذه ضربة قاضية لمبدأ “سيادة الدولة” الذي يُعتبر حجر الزاوية في ميثاق الأمم المتحدة؟
- أين تكمن الحصانة الدبلوماسية لرئيس دولة في ظل اتهامات جنائية دولية؟
- هل تذوب هذه الحصانة أمام اتهامات مثل “الإرهاب”؟
- ما هو دور المنظمات الدولية الآن؟
- هل سيشهد مجلس الأمن جلسة طارئة، أم أن الفيتو الروسي والصيني سيجمد أي إجراء؟
- وماذا عن محكمة العدل الدولية ومنظمة الدول الأمريكية؟ أليس هذا اختباراً لمصداقيتها؟ بين أنقاض كاراكاس، لا يرقد فقط حلم بوليفاري، بل يرقد معه مبدأ السيادة كما عرفناه. العالم اليوم أمام منعطف تاريخي: هل نحن إزاء عصر جديد من “التدخل المباشر” لقوى عظمى تختصر طريق القضاء الدولي؟ أم أن صدمة الاعتقال ستوقظ ضمير العالم لإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية؟
الإجابة لن تكون في الكتب القانونية، بل في ردهات الأمم المتحدة، وفي شوارع فنزويلا المقاومة، وفي مختبرات السياسة العالمية التي تختبر حدود القوة والقانون. الفنزوييون اليوم بين مطرقة الاحتلال الخارجي وسندان الفقر الداخلي، والعالم بأسره شاهد.. فهل سيكون صامتاً؟