حوار مع رفعت فياض… لماذا بقي وزيرًا للتربية والتعليم؟

التعليم في مصر قضية حياة أو موت لمستقبل الوطن، ومن أكثر الملفات التي تثير جدلًا دائمًا. كل تعديل وزاري، كل وزير جديد، كل خطة إصلاح، يصبح محل نقاش واسع، وانتقاد حاد، وقلق بين أولياء الأمور والمعلمين.
في هذا السياق، يبرز محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، كاستثناء نادر. منذ توليه المسؤولية، استطاع الرجل أن يغير قواعد اللعبة، أن يعيد المدرسة إلى قلب العملية التعليمية، وأن يحوّل الرؤية إلى إنجازات ملموس
س: منذ البداية، لماذا راهنت على استمرار محمد عبد اللطيف وزيرًا للتربية والتعليم؟
ج: راهنت عليه لأنه يمتلك رؤية واضحة ومختلفة عن كل من تولوا الوزارة من قبل. لم أكن أعرفه مسبقًا، ولم ألتقِ به سوى مرتين فقط، الأولى فور توليه المسؤولية، والثانية خلال جلسات الحوار المجتمعي لمشروع البكالوريا الجديدة. لكن من هاتين المرتين، ومن متابعة دقيقة لتحركاته، شعرت أنه شخص لا يقف عند الكلام، بل يترجم الرؤية إلى واقع ملموس.
س: وما الذي يميز أسلوبه عن الوزراء السابقين؟
ج: أهم ما يميّزه هو الحضور الميداني الفعلي. الوزير لا يعيش في مكتبه محاطًا بالتقارير، بل ينزل للمدارس، يلتقي الطلاب والمعلمين والمديرين، يسمع مشكلاتهم على أرض الواقع، ويجد حلولًا عملية فورية. باختصار، هو وزير المدرسة والفصل والسبورة، وليس مجرد توقيع على ورق.
س: كيف استطاع إعادة الطلاب والمعلمين إلى المدارس بعد سنوات من الهجر؟
ج: كان هناك تحدٍ هائل: الدروس الخصوصية استولت على معظم وقت الطلاب، والمدارس فقدت دورها التربوي. الوزير أدخل آليات تقييم مستمرة، وحفّز الطلاب والمعلمين على العودة، وأعاد للمدرسة مكانتها في التنشئة وبناء الشخصية أولاً، والتعليم ثانيًا. النتيجة؟ عودة الملايين للمدارس منذ الشهر الأول لتوليه المسؤولية.
س: وماذا عن مشكلة كثافة الفصول؟
ج: تحدٍ آخر هائل. بعض الفصول كانت تصل إلى 140 طالبًا! لكنه لم ينتظر ميزانية ضخمة أو بناء مدارس جديدة تستغرق سنوات. اعتمد حلولًا إبداعية وتقسيمية، ونجح في تخفيض الكثافة بشكل ملحوظ، وهذا أثر مباشرة على جودة التعليم والانضباط داخل الفصول.
س: كيف تعامل مع نقص المعلمين؟
ج: الوزير لم يقف مكتوف اليدين أمام عجز المعلمين في المواد الأساسية. قام بتعيينات واسعة، وأدخل أساليب تنظيمية حديثة لضمان تغطية الفصول، ما أعاد الانضباط والمستوى التعليمي تدريجيًا.
س: وماذا عن تطوير الثانوية العامة؟
ج: هنا جاءت خطوة جريئة جدًا: إطلاق نظام البكالوريا المصرية. حتى الآن، التحق به نحو 95% من طلاب الصف الأول الثانوي. الهدف كان تخفيف العبء الدراسي ومنح الطلاب فرصة حقيقية للتطوير والتحسين، مع تحديث المناهج لتتماشى مع متطلبات سوق العمل.
س: هل تضمن هذا تطوير المناهج فقط للمرحلة الثانوية؟
ج: لا، لقد شمل تطوير جميع المراحل الدراسية: من رياض الأطفال حتى الصف الثالث الإعدادي. شملت المناهج الرياضيات بالتعاون مع خبراء يابانيين، اللغة العربية، الإنجليزية، والدراسات الاجتماعية. أيضًا، خفّض من الدروس الخصوصية التي كانت تبتدئ من الثامنة صباحًا، فأصبح اليوم الدراسي الرسمي هو الأهم.
س: هل هناك انفتاح على التجارب الدولية؟
ج: بالتأكيد، الوزير انفتح على اليابان وألمانيا وإيطاليا. استفاد من التجربة اليابانية في بناء المدرسة والإنضباط، وأدخل مفاهيم الذكاء الاصطناعي في المناهج الثانوية، وطوّر التعليم الفني بالتعاون مع ألمانيا وإيطاليا لإعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل محليًا ودوليًا.
س: وما رأي الخبراء في أدائه؟
ج: الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق بجامعة أسيوط، كتب على منتدى «فياض هنا الجامعة»:
“الحضور الميداني غير المسبوق، تطوير الثانوية العامة، إدخال البكالوريا، إصدار قانون جديد للتعليم، الشراكات الدولية، سد العجز في المعلمين وخفض كثافات الفصول… كل هذه خطوات تستحق التوقف والتحليل. إذا نجح الوزير في استكمال المشروع الإصلاحي، فسيسجل التاريخ اسمه كأحد أبرز وزراء التعليم في القرن الحادي والعشرين.”
س: وما هي التحديات الكبرى أمامه في المرحلة القادمة؟
ج: هناك عدة تحديات:
• القضاء على الغش في الثانوية العامة.
• ضمان نجاح تطبيق نظام البكالوريا المصرية.
• استكمال تطوير مناهج المرحلتين الإعدادية والثانوية.
• استمرار تعيين المعلمين والتوسع في بناء المدارس لخفض الكثافة الطلابية بشكل مستدام.
س: إذن، لماذا بقي وزيرًا؟
ج: لأنه أثبت قدرته على الإنجاز، وأن رؤيته قابلة للتطبيق على أرض الواقع. بقي لأنه ليس مجرد وزير للتوقيع على أوراق، بل قائد مشروع وطني حقيقي للتعليم، وهذا هو المعيار الحقيقي الذي يقاس عليه كل من يحمل هذا المنصب.