من الخائن الذي باع المرشد لاسرائيل

في لحظات التحوّل الكبرى لا تسقط الأنظمة من الخارج فقط، بل كثيراً ما تتصدّع من الداخل. التقارير المتداولة حول استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي تشير إلى أن الضربة لم تكن مجرد تفوق عسكري أو اختراق تقني، بل نتيجة تسريب خطير من داخل الدائرة الأكثر ضيقاً حوله. الحديث هنا لا يدور عن اختراق عابر، بل عن خيانة محتملة من شخص كان يحظى بثقة مطلقة، ويملك حق الوصول إلى أخطر أسرار الدولة.
وفقاً لمصادر إسرائيلية، تم تقديم موعد الهجوم فور الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة تفيد بعقد اجتماع سري يضم خامنئي وكبار المسؤولين. هذه المعلومة وحدها كفيلة بتغيير مسار أي عملية عسكرية، لأنها تمنح المهاجمين هدفاً مجتمعاً ومحدداً في زمان ومكان واحدين. ما يعني أن شخصاً من داخل الحلقة المغلقة كشف موقع الاجتماع، فتمكنت الطائرات الإسرائيلية والأمريكية من توجيه ضربات دقيقة أصابت قلب المنظومة.
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تطرح سؤالاً أكثر خطورة من سؤال “من نفّذ الضربة؟” وهو: من سهّلها؟ فالنظام الإيراني معروف بإجراءاته الأمنية المعقدة، وبتعدد دوائر الحماية حول المرشد. أن يصل الاستهداف إلى هذا المستوى، رغم كل التحصينات، يعني أن الثغرة لم تكن في الجدار… بل في الحارس.
اللافت أن بعض الأسماء البارزة لم ترد ضمن قوائم القتلى، ومن بينهم علي لاريجاني، ما أثار تساؤلات حول أدوار محتملة أو حسابات داخلية معقدة. في المقابل، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن لدى الولايات المتحدة “أفكاراً جيدة” بشأن الزعيم الجديد، وهو تصريح يفتح الباب أمام فرضية التأثير الخارجي في معركة الخلافة.
قبل الهجوم، كانت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية تشير إلى أن خلافة خامنئي قد تميل لصالح عناصر أكثر تشدداً من الحرس الثوري. هذا التقييم يعزز فرضية أن ما جرى قد يكون جزءاً من صراع داخلي صامت على السلطة، حيث تتقاطع المصالح بين أجنحة النظام، ويصبح التسريب أداة لإعادة رسم موازين القوة. ورغم كثافة الشائعات، لم يُكشف رسمياً عن اسم “الخائن”، لكن أصابع الاتهام تتجه نحو شخصية أمنية رفيعة كانت مطلعة على تفاصيل الاجتماع.
أعلنت إيران الحداد الرسمي أربعين يوماً، غير أن الحداد السياسي أخطر من الحداد الشعبي. فالنظام يواجه أزمة خلافة غير مسبوقة، خاصة في ظل غياب إعلان واضح عن خليفة محدد. ومع تصاعد الخطاب الرسمي الذي يؤكد أن “الجريمة لن تمر دون رد”، تبدو المنطقة على أعتاب موجة تصعيد جديدة، قد تتجاوز الرد العسكري إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الإقليم.
وفي الداخل، قد يكون البحث عن “الخائن” أكثر دموية من الرد على الخارج. فالأنظمة حين تشك في ولاء دائرتها الضيقة تميل إلى تصفيات داخلية تعمّق الشروخ، وتزرع مزيداً من الريبة بين أركانها. وإذا ثبت أن الخيانة جاءت فعلاً من أقرب المقربين، فإن ذلك يكشف هشاشة البنية التي طالما قُدمت باعتبارها صلبة ومحصنة.
هذا الاغتيال – إن تأكدت كل تفاصيله – لا يمثل نهاية صراع، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً. مرحلة تختلط فيها الحسابات الأمنية بالطموحات السياسية، وتتحول فيها معركة الخلافة إلى اختبار لبقاء النظام نفسه. الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت الضربة قد أصابت الجسد فقط… أم أصابت الثقة في قلبه.