عادل فخري دانيال يكتب: الحرب الإيرانية الأمريكية: تمثيلية سياسية أم صراع حقيقي؟

في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتتردد أصداء التصريحات النارية والتحركات العسكرية، يطرح البعض تساؤلاً جريئاً: هل هذه الحرب حقيقية، أم أنها مجرد تمثيلية مُدبرة بين الأطراف المعنية لتحقيق أهداف داخلية ضيقة؟

يبدو أن اللاعبين الرئيسيين في هذه المسرحية لديهم دوافع شخصية وسياسية قوية تجعل استمرار التوتر أو حتى التصعيد العسكري المحدود خياراً مفضلاً لديهم.

نتنياهو: الهروب من المحاكمة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه تحقيقات فساد خطيرة تهدد بإنهاء مسيرته السياسية وربما إيداعه السجن. في مثل هذه الظروف، يُعتبر التصعيد العسكري والحرب “الخارجية” المنقذ التقليدي للقادة الذين يواجهون أزمات داخلية.
طالما أن التركيز الإعلامي والشعبي موجَّه نحو “التهديد الإيراني”، فإن قضايا الفساد والمحاكمات تتراجع إلى الخلف. الحرب، إذن، تصبح أداة لتوحيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية ولإطالة بقاء نتنياهو في السلطة.

ترامب والملفات الشائكة

من الجانب الأمريكي، يعود دونالد ترامب إلى دائرة الضوء مع أي تصعيد في الشرق الأوسط. ترامب، الذي يُتهم بتورطه في قضايا مرتبطة بشبكة جيفري إبستين وفضائحها الجنسية والمالية، يجد في أي مواجهة دولية فرصة لتحويل الأنظار عن ماضيه المثير للجدل.

الرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته على “القوة والحسم” يستخدم التوتر مع إيران ليُظهر نفسه كقائد لا يتردد في مواجهة “الشر”، بينما يبتعد الإعلام والرأي العام تدريجياً عن قضاياه الشخصية.

النظام الإيراني: الحرب أداة للتوحيد الداخلي

أما النظام الإيراني، فيعاني منذ سنوات من تشققات حادة في الجبهة الداخلية. احتجاجات شعبية متكررة، أزمة اقتصادية خانقة ناتجة عن العقوبات والفساد وسوء الإدارة، وانقسامات داخل النخبة الحاكمة. في مثل هذه الأوضاع، لا يوجد شيء أفضل من “عدو خارجي” لتوحيد الصفوف.
الحرب أو التهديد بالحرب يسمح للنظام بوصم المعارضين بالخيانة، وتبرير القمع، وإلهاء الشعب عن الغلاء والفقر والفشل في تقديم الخدمات الأساسية.
بهذا المعنى، يبدو أن كل الأطراف تجد مصلحة مشتركة في استمرار “الصراع” دون أن يصل بالضرورة إلى حرب شاملة تدمر المنطقة. التصعيد المُتحكم فيه يخدم الجميع: نتنياهو يهرب من السجن، ترامب يعيد بناء صورته كزعيم قوي، والنظام الإيراني يُعيد لصق الشعب خلفه خوفاً من “العدوان الأمريكي الصهيوني”.

هل هي مسرحية أم واقع مرير؟

بالطبع، هذا التحليل يعتمد على قراءة الدوافع السياسية والنفسية للقادة، وليس على وثائق سرية. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب غالباً ما تُستخدم كأداة للهروب من المشكلات الداخلية. الضحايا الحقيقيون هم دائماً الشعوب: الإيرانيون الذين يعانون الفقر، والإسرائيليون والأمريكيون الذين يدفعون ثمن المغامرات العسكرية.

ربما حان الوقت لأن يسأل الرأي العام في كل دولة: هل نحن ندفع دماءنا وأموالنا لننقذ قادة يخشون المحاكمة والسقوط، أم أننا نواجه تهديداً وجودياً حقيقياً؟
الإجابة على هذا السؤال قد تكون أخطر ما يواجهه الشرق الأوسط اليوم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى