حكاية قاضٍ… الوزير محمود الشريف الإنسانية عنوانه

بقلم صموئيل العشاي

ليست حكايات الغارمات مجرد أرقام في دفاتر المحاكم، ولا قضايا تُغلق بأختام رسمية، بل وجع إنسانيّ ثقيل، وصرخات مكتومة لأمهات سُقن إلى ساحات العدالة لأن الفقر كان أقسى من قدرتهن على السداد. كم قرأنا عن قضاة شرفاء، اختاروا أن ينتصروا للإنسان قبل النص، وأن يكونوا سندًا للغارمات من أموالهم الخاصة بدلًا من أن يدفعوهن إلى خلف القضبان. أولئك الذين آمنوا أن المجد الحقيقي لا يُكتب بالحبر، بل بالرحمة.

هؤلاء القضاة لم يقرأوا أوراق الاتهام ببرود، بل فتحوها بقلوبهم، ورأوا الشيكات والكمبيالات لا كجرائم، بل كقصص حزن موجعة، لأمهات أردن ستر بناتهن، فاصطدمن بواقعٍ قاسٍ لم يرحم ضعفهن.

كان يمكن للمستشار محمود الشريف الذي اختير اليوم وزيرا للعدل ، أن يفعل مثل كثيرين: يطوي الملفات، ينطق بالأحكام، ويترك أبواب السجون تُغلق خلف نساء أنهكتهن الحياة. كان يمكن أن يكتفي بأن يقول: “هذا هو القانون”. لكنه لم يفعل… لأن ضميره رفض أن يكون شاهدًا صامتًا على انكسار الإنسان.

نظر في عيون الغارمات، فرأى خوفًا يفضح الفقر، ودموعًا محبوسة خلف كرامة مهدورة، وقلوب أمهات ترتجف على مصير أطفال ينتظرون عودة حضنٍ دافئ. أدرك أن كل حكم بالحبس ليس نهاية ملف، بل بداية مأساة جديدة. وهنا، اتخذ قراره الأخطر والأشرف: أن يتدخل بماله، لا بسلطته، وأن ينقذ بالرحمة ما عجزت عنه النصوص الجامدة.

أرهق المستشار محمود الشريف جيبه، نعم… لكنه أنقذ بيوتًا من الخراب، وأعاد الأمل لنساء كنّ على حافة الانكسار. دفع من ماله الخاص ليمنع السجن عن غارمات لم يكن ذنبهن جريمة، بل ظرفًا قاسيًا وواقعًا لا يرحم. فعل ذلك في صمتٍ النبلاء، بلا ضجيج، ولا كاميرات، لأن العدل — في قاموسه — فعل، لا استعراض.

في تلك اللحظات، لم يكن قاضيًا على منصة مرتفعة، بل إنسانًا ينزل إلى قلب الألم، يحمل عن الناس جزءًا من أعبائهم، ويحوّل الحكم من قيدٍ إلى نجاة. هناك، تحديدًا، تحوّل العدل من سطور جامدة إلى دمعة رحمة، ومن قسوة نص إلى حضن أمان.

واليوم، حين يُتداول اسم المستشار محمود الشريف وزيرًا للعدل، يبدو المنصب وكأنه يلحق بقيمٍ مارسها الرجل قبل أن يحمل أي لقب. لم ينتظر كرسيًا ليكون عادلًا، ولم يحتج قرارًا ليكون رحيمًا. العدل كان يسكنه، متجذرًا في ضميره، قبل أن يُكتب على باب مكتبه.

هذه ليست حكاية قاضٍ دفع مالًا، بل ملحمة إنسان دفع من قلبه، واختار أن يكون حصنًا للضعفاء لا سوطًا فوق ظهورهم، وملاذًا للمكسورين لا بابًا موصدًا في وجوههم. ولهذا، فإن اسم المستشار محمود الشريف لا يُحفر في سجل المناصب فحسب، بل يُكتب بمداد الوفاء في قلوب من أنقذهم من السجن… وفي ذاكرة وطنٍ لا يزال يبحث عن عدلٍ يشبه الإنسان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى