من قيادة الطائرة إلى قلب الصحراء: بهاء الغنام يقود معركة الأمن الغذائي في مصر

من السماء إلى الأرض، لا تختصر قصة الدكتور بهاء الدين محمد الغنام في مجرد انتقال من مهنة إلى أخرى، بل تعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة الإدارة داخل الدولة المصرية، يقوم على توظيف الكفاءات العسكرية ذات الخبرة والانضباط في قيادة المشروعات القومية الكبرى وتحقيق نتائج ملموسة في زمن قياسي.

تبدأ ملامح هذه الرحلة من الكلية الجوية، حيث تخرج الغنام ليقضي أكثر من 25 عاماً في صفوف القوات الجوية المصرية، متدرجاً حتى رتبة عقيد طيار. وخلال هذه السنوات، لم يكن الطيران مجرد وظيفة، بل مدرسة متكاملة صاغت شخصيته القيادية، فترسخت لديه قيم التخطيط الدقيق، والتنفيذ الصارم، والقدرة على إدارة الأزمات والعمل تحت ضغط، وهي ذات الأدوات التي انتقل بها لاحقاً إلى ميدان التنمية.

في ديسمبر 2022، صدر القرار الجمهوري رقم 591 لسنة 2022 بإنشاء جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وتعيين الغنام مديراً تنفيذياً له، في خطوة تعكس إدراكاً لأهمية نقل الخبرات العسكرية إلى إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى. ولم يكن الجهاز كياناً زراعياً تقليدياً، بل منصة تنموية شاملة تجمع بين استصلاح الأراضي، والتصنيع الغذائي، وتطوير البنية التحتية، وبناء شراكات استثمارية واسعة.

وفي قلب هذه المنظومة، يبرز مشروع الدلتا الجديدة كأحد أكبر مشروعات استصلاح الأراضي في تاريخ مصر الحديث، حيث يستهدف استصلاح نحو 2.2 مليون فدان، بما يمثل إضافة ضخمة للرقعة الزراعية. ويعتمد المشروع على بنية تحتية متكاملة تشمل شبكات ري حديثة ومحطات رفع وكهرباء وطرق، إلى جانب منظومة مائية توفر نحو 17.5 مليون متر مكعب يومياً، مدعومة بمحطة معالجة عملاقة حصدت إشادات دولية ودخلت موسوعات الأرقام القياسية. ولا يتوقف المشروع عند الزراعة، بل يمتد إلى إنشاء مجتمعات متكاملة تجمع بين الإنتاج الزراعي والصناعي والسكني، في إطار رؤية لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية خارج الوادي الضيق.

ويمتد طموح الجهاز إلى خطة أشمل تستهدف استصلاح نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027، موزعة على مناطق متعددة تشمل الدلتا الجديدة، والمنيا، وبني سويف، والفيوم، وأسوان، والواحات الداخلة، والعوينات، بما يحول المشروع من مجرد توسع زراعي إلى إعادة تشكيل للخريطة الإنتاجية والسكانية في مصر.

ولتحقيق هذه الرؤية، يعتمد الغنام على نهج تكاملي يجمع بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص. فقد تم تعزيز التعاون مع وزارة التموين والتجارة الداخلية لإنشاء مجمعات صناعية للزيوت وتكوين احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية، بما يدعم الأمن الغذائي واستقرار الأسواق. كما يقود شراكات واسعة مع كبرى الشركات الوطنية مثل السويدي إليكتريك وسياك والزاهي جروب وريدكون وحسن علام، في إطار نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع متابعة ميدانية مستمرة لضمان تسريع التنفيذ والالتزام بالجداول الزمنية، ومن بينها الانتهاء من أعمال بنية تحتية لمساحات واسعة قبل نهاية 2025.

كما يولي اهتماماً خاصاً بالتكنولوجيا، من خلال التوسع في نظم الري الذكي والميكنة الزراعية الحديثة، وتقليل الفاقد، بما يسهم في رفع إنتاجية الفدان وتحسين جودة المحاصيل الاستراتيجية، وهو ما انعكس في حصوله على وسام الخدمة الممتازة، إلى جانب تكريم من وزارة الزراعة تقديراً لجهوده في هذا الملف الحيوي.

ويتميز أسلوبه القيادي بالعمل الميداني المباشر، حيث يحرص على التواجد المستمر في مواقع التنفيذ، وإجراء جولات تفقدية دورية، واستقبال ومتابعة تنسيق الجهود مع مختلف الوزراء، من التموين إلى المالية والموارد المائية والتعليم، بما يعكس إدارة تعتمد على المتابعة الدقيقة والانضباط، أقرب ما تكون إلى إدارة العمليات العسكرية.

في المحصلة، لا تمثل تجربة بهاء الغنام مجرد سيرة ذاتية ناجحة، بل نموذجاً عملياً لتحول الإدارة في مصر نحو نمط يعتمد على الكفاءة والانضباط وسرعة الإنجاز. فمن قمرة القيادة في السماء إلى قلب الصحراء، لم تتغير المهمة، بل تغيرت ساحتها فقط؛ لتصبح معركة تنموية هدفها تحقيق الأمن الغذائي وبناء مستقبل أكثر استدامة، حيث لم يعد “مستقبل مصر” مجرد اسم لجهاز حكومي، بل مشروعاً وطنياً يُنفذ على أرض الواقع بوتيرة غير مسبوقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى